أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

ندبة الزمن: قصة قصيرة عن الحب والندم في سياق اجتماعي

قصة قصيرة – أدب اجتماعي ومعالجة إنسانية ملاحظة: تم تحديث هذه المقالة آخر مرة في 8 فبراير 2026
قصَّة حبٍّ ترويها ملعقة طعام - قصة للا فاطمة

قصَّة حبٍّ ترويها ملعقة طعام

في زوايا العالم، حيث تتقاطع الأرواح وتتلاطم القلوب، هناك قصص ترويها الندوب. قصص حب وندم، قصص تعدي وتكفير. في قرية صغيرة، حيث يغيب الضوء ويتلاشى الصوت، هناك حكاية ترويها ملعقة طعام، حكاية تُذكِّرنا أن الحب أقوى من كل ندوب الدنيا. هذه هي قصة "ندبة الزمن"، رحلة البحث عن الكرامة، وكيف يتحول الألم إلى حكمة، والندم إلى فرصة للبدء من جديد.

المشهد الأول: ليلة العرس الأولى

كانت ليلة العرس الأولى في قرية صغيرة، حيث تجلس سلمى على كرسي بلاستيكي مهترئ، ترتدي فستان زفافها البسيط المُستعار. عيناها تتابع حركات خالد وهو يلتهم طبق الفول بشراهة، بينما ضوء المصباح العتيق يلقي ظلالًا غريبة على وجوههم. خارج الباب، عواء الكلاب يقطع صمت الليل، وذبابة تطن حول بقايا الأرز المتناثر على الطاولة. كانت سلمى تشعر بالحيرة من هذا الزواج، الذي بدا وكأنه يُحسم بسرعة دون تفكير. كانت تنتظر حباً حقيقياً، لكن ما وجدته كان رجلاً تملكه قسوة مفاجئة تغيب عنها الرحمة في لحظات الضعف.

خالد، رجلٌ في منتصف العمر، يبدو وكأنه يحمل العالم على كتفيه. عيناه غارقتان في الطبق، وكأنه يبحث عن شيء مفقود. كان يأكل بسرعة، كأنه يخاف أن يُسلَب من الطعام في أي لحظة. سلمى تلاحظ كيف يشد قبضته حول الملعقة، وكيف يبدو وكأنه يبتلع كل شيء دون تذوق، في سلوك ينم عن اضطراب داخلي وعنف مستتر جعلها تشعر بالوحشة في ليلتها الأولى.

المشهد الثاني: الطارق المزعج

دقات متتالية على الباب الخشبي قطعت صمت الليل. سلمى ترفع رأسها وتلقي نظرة على خالد الذي كان يلتهم طعامه بلا مبالاة. نهضت لتجيب، فوجدت رجلاً ستينياً بملابس مُرقَّعة، يمسك بعكازٍ مكسور وعيناه غارقتان في الحزن. سأل بلهفة: "هل من طعام يسد جوع طفل مريض؟".

همت سلمى بتقديم صحنٍ من الخبز، لكن خالد انتفض بأسلوب يخلو من أدنى قيم المروءة: "هذا طعامي! اِخرُج قبل أن أطردك!". كان موقفه صادماً، ليس فقط لرفضه الصدقة، بل لقسوة النبرة التي جرحت كرامة السائل وكرامة البيت الذي دخله.

المشهد الثالث: الفعل المدان والتحول

في لحظة غضب تجردت من الإنسانية، قام خالد بفعلٍ منبوذ؛ إذ اندفع ملوحاً بكرسي معدني ليزيح السائل عن بابه بقسوة مفرطة. سقط السائل وهو يهمس بكلمات وجعة: "اللهم ارحمني.. وارحم زوجته". لقد كانت تلك الضربة وصمة عار في تاريخ خالد، وفعلة مدانة أخلاقياً تركت أثراً لا يُمحى في قلب سلمى التي وقفت مذهولة أمام بشاعة الموقف.

لحظة الندم والهروب والتحول الدرامي

لحظة الندم والهروب - دراما اجتماعية

المشهد الرابع: الهروب إلى المجهول

تلك الليلة لم تمر بسلام. استيقظ خالد يصرخ: "صوته لا يترك رأسي!". غادر البيت تاركاً ورقة كُتب فيها: "سأعود حين أكون إنساناً يُصلح ما كسره". رحل خالد في رحلة تكفير عن ذنب ثقيل، تاركاً سلمى تواجه قدرها وحيدة، في غياب دام خمسة عشر ربيعاً.

المشهد الخامس: مائدة الصبر واللقاء الجديد

مرت السنوات، وأصبحت سلمى رمزاً للعطاء في جمعية خيرية. وفي أحد الأيام، دخل ناصر حياتها؛ رجل هادئ يحمل وقاراً وصمماً بليغاً. تزوجا، وفي ليلة زفافهما البسيطة، قال لها ناصر: "الحب إرادة لصنع ذاكرة بيضاء". لم تكن تعلم سلمى أن ناصر يحمل ندبة غائرة على كتفه، ندبة ستكشف لها حقيقة مرّة وصادمة في آن واحد.

المشهد السادس: الكشف المذهل

طرق الباب رجل عجوز محدب الظهر يطلب الدفء. كانت المفاجأة حين وقعت عينا العجوز على ناصر. نطق العجوز بصوت مرتجف: "أنا خالد.. زوج سلمى الأول". حينها رفع ناصر كم قميصه ليكشف عن تلك الندبة القديمة قائلاً بمرارة وثبات: "وهذه.. هي أثر كرسيك المعدني! أنا السائل الذي ضربته يوماً".

لقد دار الزمن دورته الكاملة؛ الظالم عاد ذليلاً يطلب الصفح، والمظلوم صار سيداً للبيت الذي طُرد منه يوماً. هذه هي عدالة السماء التي تُكتب بمداد من الصبر.

المشهد الأخير: المائدة التي صارت موعظة

اليوم، تجلس سلمى وناصر وابنتهما ندى على المائدة نفسها. سألت ندى بفضول عن الخط الذي يزين كتف أبيها، فأجاب ناصر بابتسامة حكيمة: "هذا الجرح يا ابنتي صار قصة تذكرنا أن الحب والرحمة أقوى من كل ندوب الدنيا".

تنبيه: هذا النص يندرج تحت فئة القصص الواقعية الهادفة لنشر الوعي الاجتماعي والقيم الأسرية.
بقلم: هيئة تحرير لالة فاطمة
بقلم: هيئة تحرير لالة فاطمة
فريق تحرير متخصص يقدّم محتوى معرفياً تحليلياً يفسّر التحولات الاجتماعية والاقتصادية والصحية وتأثيرها في حياة الأسرة العربية منذ عام 2007.
تعليقات